محمود بن حمزة الكرماني

132

البرهان في متشابه القرآن

وهذا جواب التذكير والتأنيث « 1 » لا جواب التخصيص ، وإنما الكلام وقع في التخصيص ، وهل يجوز أن يكون كل واحد منهما مكان الآخر أم لا ؟ فالجواب أن يقال : في هذه السورة إخبار قبل الفعل فوحّده . وفي المائدة خطاب من اللّه له يوم « 2 » القيامة ، وقد سبق من عيسى عليه [ السلام ] « 3 » ذلك الفعل ثلاث مرات « 4 » ، والطير صالح للواحد « 5 » وصالح للجمع . * قوله تعالى : بِإِذْنِ اللَّهِ ذكر في هذه السورة مرتين « 6 » . وقال في المائدة : بِإِذْنِي أربع مرات « 7 » ؛ لأن ما في هذه السورة من كلام عيسى . فما تصوّر « 8 » أن يكون من فعل البشر أضافه « 9 » إلى نفسه ، وهو الخلق الذي معناه التقدير ، والنفخ الذي هو / إخراج الريح من الفم - وما لم يتصور أضافه « 10 » إلى اللّه وهو قوله : فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ مما [ لا ] « 11 » يكون في طوق البشر ؛ فإن الأكمه « 12 » عند بعض المفسّرين : « الأعمش » ، وعند بعضهم : « الأعشى » ، وعند بعضهم : « الذي يولد أعمى » وإحياء الموتى من فعل اللّه فأضافه إليه .

--> ( 1 ) قال في روح المعاني عند الكلام على قوله تعالى : فَأَنْفُخُ فِيهِ [ الضمير للهيئة المقدرة في نظم الكلام لكن بمعنى الشيء المهيأ لا بمعنى العرض القائم به ، إذ لا يصح أن يكون ذلك محلا للنفخ . وذكّر الضمير هنا مراعاة للمعنى ، كما أنت في المائدة مراعاة للفظ ، قيل : وصح هذا لعدم الالتباس ] . روح المعاني 3 / 242 . ( 2 ) كذا في البصائر ص 163 ، وفي الأصلية : [ في ] . ( 3 ) ز . في بعض النسخ مثل البصائر ص 163 . ( 4 ) في البصائر [ الفعل مرات ] 1 / 163 ، وكذا في « ق » 10 / ب ، « د . م » 11 / ب . ( 5 ) قرأ يعقوب وأبو جعفر ونافع : [ طائرا ] . ( 6 ) يعنى في الآية 49 مرتين . ( 7 ) يعنى تكرر في الآية 110 . ( 8 ) في بعض النسخ : [ يتصور ] . ( 9 ) كذا في « د . م » والبصائر وفي الأصلية : [ أضاف ] . ( 10 ) كذا في البصائر 1 / 163 ، وفي الأصلية : [ أضاف ] . ( 11 ) زيادة في البصائر ص 163 وبدونها لا يستقيم المعنى . ( 12 ) قال عكرمة : الأكمه هو الأعشى ، ومجاهد : هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل . وأخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس : الأكمه : هو الذي ولد أعمى ، وابن أبي حاتم من طريق عطاء عنه : أنه الممسوح العين الذي لم يشق بصره ولم تخلق له حدقة ، قال الطبري : [ فأما ما قاله عكرمة من أن الكمه العشى ، وما قاله مجاهد من أنه سوء البصر بالليل فلا معنى لهما ؛ لأنّ اللّه لا يحتج على خلقه بحجة تكون لهم السبيل إلى معارضة فيها . ولو كان مما احتج به عيسى على بني إسرائيل في نبوته أنه يبرئ الأعمش أو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل لقدروا على معارضته بأن يقولوا : وما في هذا لك من الحجة ؟ وفينا من يعالج ذلك وليسوا للّه بأنبياء ولا رسلا ؟ ففي ذلك دلالة بينة على صحة ما قلنا من أن الأكمه هو الأعمى الذي لا يبصر شيئا لا ليلا ولا نهارا ، وهو كما قال قتادة : من أنه المولود كذلك أشبه لأن علاج مثل ذلك لا يدعيه أحد من البشر إلا من أعطاه اللّه مثل الذي أعطى عيسى ] . ا . ه . تفسير الطبري 6 / 430 .